ابراهيم بن عمر البقاعي

252

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

وظاهر الكرامات مما يشهد ببركتهم ويمن نقيبتهم بحيث إذا ذموهم توقعوا تكذيب الناس لهم ، أكدوا قولهم : إِنَّا تَطَيَّرْنا أي حملنا أنفسنا على الطيرة والتشاوم تطيرا ظاهرا - بما أشار إليه الإظهار بخلاف ما في النمل والأعراف بِكُمْ بنسبة ما حل بنا من البلاء إلى شومكم ، لأن عادة الجهال التيمن بما مالوا إليه ويسندون ما حل بهم من نعمة إلى يمنة والتشاوم بما كرهوه ، ويسندون ما أصابهم من نقمة إلى شومه ؛ ثم إنهم استأنفوا استئناف النتائج قولهم على سبيل التأكيد إعلاما بأن ما أخبروا به لا فترة لهم عنه وإن كان مثلهم مستبعدا عند العقلاء : لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا أي عن دعائكم هذا لَنَرْجُمَنَّكُمْ أي لنشتمنكم أو لنرمينكم بالحجارة حتى تنتهوا أو لنقتلنكم شر قتلة . ولما كان الإنسان قد يفعل ما لا يؤخذ أثره فقالوا معبرين بالمس دون الإمساس : وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا أي عاجلا لا من غيرنا كما تقولون أنتم في تهديدكم إيانا بما يحل بنا ممن أرسلكم عَذابٌ أَلِيمٌ * حتى تنتهوا عنا لنكف عن إيلامكم قالُوا أي الرسل : طائِرُكُمْ أي شومكم الذي أحل بكم البلاء مَعَكُمْ وهو أعمالكم القبيحة التي منها تكذيبكم . ولما كان لم يبد منهم غير ما يقتضي عند النظر الصحيح التيمن والبركة ، وهو التذكير باللّه الذي بيده الخير كله ، أنكروا عليهم تطيرهم منهم على وجه مبين أنه لا سبب لذلك غيره فقالوا : أَ إِنْ ذُكِّرْتُمْ أي الأجل إن حصل لكم تذكير باللّه تطيرتم بنا ؟ ولما كان ذلك لا يصح أن يكون سببا للتطير بوجه ، أضربوا عنه منبهين لهم على أن موضع الشوم إسرافهم لا غير فقالوا : بَلْ أي ليس الأمر كما زعمتم في أن التذكير سبب للتطير بل أَنْتُمْ قَوْمٌ أي غركم ما آتاكم اللّه من القوة على القيام فيما تريدون مُسْرِفُونَ * أي عادتكم الخروج عن الحدود والطغيان فعوقبتم لذلك . ولما كان السياق لأن الأمر بيد اللّه ، فلا هادي لمن أضل ولا مضل لمن هدى ، فهو يهدي البعيد في البقعة والنسب إذا أراد ، ويضل القريب فيهما إن شاء ، وكان بعد الدار ملزوما في الغالب لبعد النسب ، قدم مكان المجيء على فاعله بيانا لأن الدعاء نفع الأقصى ولم ينفع الأدنى فقال : وَجاءَ مِنْ أَقْصَا أي أبعد - بخلاف ما مر في سورة القصص ؛ ولأجل هذا الغرض عدل عن التعبير بالقرية كما تقدم وقال : الْمَدِينَةِ لأنها أدل على الكبر المستلزم لبعد الأطراف وجمع الأخلاط . ولما بين الفاعل بقوله : رَجُلٌ بين اهتمامه بالنهي عن المنكر ومسابقته إلى إزالته كما هو الواجب بقوله : يَسْعى أي يسرع في مشيه فوق المشي ودون العدو حرصا على نصيحة قومه . ولما تشوفت النفس إلى الداعي إلى إتيانه ، بينه بقوله : قالَ واستعطفهم بقوله : يا قَوْمِ وأمرهم بمجاهدة النفوس بقوله : اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * أي في عبادة اللّه وحده